على سفح جبل سفين المكسو بالغابات الطبيعية، وبين الجداول والينابيع المتدفقة بالمياه العذبة والبساتين الوفيرة بأنواع الفاكهة، تقع بلدة شقلاوة وسط طبيعة خلابة وأجواء هادئة، على بُعد 50 كيلومتراً شمال شرق مدينة أربيل.
سوق وسط الطبيعة
تغطي شوارعَ بلدة شقلاوة أنواعٌ من الأشجار الباسقة والوارفة الظلال. وسوقها الرئيسي - المرصوفة أرضيته بالأحجار - تكتظ في أغلب أيام العطل ومواسم السياحة بالزوار والمصطافين القادمين من مختلف مناطق العراق وكوردستان. دكاكينها تعرض أنواعاً من السلع والمأكولات والمنتجات المحلية، خاصة الحلويات منها مثل الحلقوم والسجق وقمر الدين وتمر الهند وأنواع المكسرات والكرزات والفاكهة المجففة. ومطاعمها تقدم أكلات متنوعة بينها أكلات تراثية كوردية. ومقاهيها التي تصدح منها الأغاني العربية والكوردية تقدم لزبائنها أفضل أنواع الشاي.

جذور وعيون
ذُكرت بلدة شقلاوة، بحسب المصادر التاريخية، بعدة أسماء، أبرزها: شقلبند، وشقلاباذ، وشقل، وشقاباد، وشقلمند، وشاقولاوا، وشاقولي بك، وشقلاباد، وشقلاوه، وفق ما قاله الباحث التاريخي عماد أحمد لمجلة «كوردستان بالعربي».
وشقلاوة، التي ترتفع 1066 متراً عن سطح البحر، غنية بعيون المياه العذبة التي تتدفق من تحت جبل سفين لتشكل جداول تغذي شريان حياة البلدة وتسقي بساتينها الوفيرة بأنواع الفاكهة. ويشير الباحث التاريخي عماد أحمد إلى أنه يوجد في بلدة شقلاوة أكثر من 250 عين ماء، أبرزها: «كاني آغا، ودنكاره، وكاني مزكه، وتي گَوره، وسقاو، وكاني خمان، وتوناونجي، وشيخ سيد، وكاني بيترمه، وكاني حسه».
نموذج للتعايش
يبلغ عدد سكان شقلاوة نحو 30 ألف نسمة، يعتمدون بشكل كبير على القطاع السياحي الذي يعد مورداً مهماً لمعظم أهالي البلدة. وتتميز البلدة بالتعايش الديني بين سكانها المسيحيين والمسلمين. ويوثق عمق هذه العلاقة القوية وجود آثار وأماكن عبادة قديمة في المدينة، أبرزها كنيسة مريم العذراء التي يعود تاريخ بنائها إلى القرن السابع الميلادي على يد رجل الدين المسيحي قشه بيبون. أما المسجد الجامع الكبير الذي شُيّد سنة 18 هجرية (الموافقة 639 ميلادية) فيعد من المعالم الأثرية البارزة في شقلاوة.
ويُعتبر مزار الربن بويا، الذي يقع في أسفل جبل سفين ويزوره المسيحيون والمسلمون، نموذجاً آخر للتعايش الديني المشترك في شقلاوة. وهو مزار مقدس عند المسيحيين والمسلمين على حد سواء، والكل يمارس طقوسه الدينية على طريقته داخل المزار. ويطلق المسلمون عليه اسم مزار الشيخ وسو رحمن، فيما يطلق المسيحيون عليه اسم مزار الربن بويا، وفق الباحث عماد أحمد.
مشاريع خدمية
كانت شقلاوة مركز ناحية في العهد العثماني، وفي عام 1952 أصبحت مركز قضاء تابع لمحافظة أربيل. ويقصد الكثير من المواطنين من مختلف مناطق إقليم كوردستان والعراق بلدة شقلاوة للاستمتاع بأجوائها النقية وطبيعتها الخلابة، خاصة في فصل الصيف. كما أن الطبيعة الخلابة لهذه البلدة الصغيرة تدفع العديد من مواطني مختلف المناطق للسكن فيها للتمتع بأجوائها ومناظرها الساحرة. وتواصل الجهات الحكومية جهودها لتوفير الخدمات اللازمة من خلال إقامة مشاريع في مختلف القطاعات.
ويقول كاروان كريم خان، قائمقام شقلاوة، في حديث لمجلة «كوردستان بالعربي» إن «طبيعة شقلاوة تدفع الكثيرين من مختلف المناطق للسكن فيها، كما تستقبل البلدة أيام العطل أعداداً كبيرة من السياح من مختلف المناطق للتمتع بطبيعتها وأجوائها»، مبيناً أن الجهات المعنية تتخذ جميع الإجراءات لتوفير الخدمات اللازمة لسكان المنطقة والزوار على حد سواء.

خطط مستقبلية
ويضيف كريم خان أن «إدارة قضاء شقلاوة مستمرة في تطوير خدمات المياه والكهرباء والتربية والصحة والزراعة والطرق وغيرها من الخدمات الضرورية. وإلى جانب إدارة شؤون المواطنين، تعمل قائمقامية شقلاوة بالتنسيق مع الجهات المعنية في حكومة إقليم كوردستان على تشجيع المستثمرين للإسهام في تطوير القطاع السياحي»، مؤكداً وجود خطط لإنشاء مشاريع سياحية وترفيهية ورياضية متنوعة على جبل سفين وفي بلدة شقلاوة، فضلاً عن مشاريع أخرى تهتم بالسياحة الدينية والأثرية التي ستسهم في تطوير البنية التحتية السياحية للمنطقة.
يوجد في محافظة أربيل 445 فندقاً وموتيلاً و47 قرية سياحية ومئات الأكواخ السياحية، وفقاً لإحصائيات هيئة المطاعم والفنادق في أربيل. ويتزايد تدفق أعداد السياح القادمين من مناطق وسط وجنوب العراق إلى إقليم كوردستان بالتزامن مع العطلة الصيفية للمدارس وأيام عطلة رأس السنة وأعياد نوروز.
وبحسب الإحصائيات الرسمية، فقد زار المناطق السياحية في الإقليم خلال عام 2024 أكثر من 7 ملايين سائح، مثل سامر سعدون من بغداد الذي كان يتجول مع عائلته في سوق شقلاوة ويتبضع المنتجات المحلية، عندما سألناه عن انطباعه حول شقلاوة فقال إنه يزور شقلاوة سنوياً مرتين على الأقل، ويقيم فيها عدة أيام للاستراحة والتجوال في الأماكن السياحية في المناطق المحيطة بها، مثل گلي علي بك وبيخال ورواندوز وأماكن أخرى في أربيل، موضحاً أنه يستمتع جداً خلال فترة إقامته في شقلاوة بالطبيعة الخلابة وأجوائها الرائعة.